أعاد فيديو ظهر فيه أفراد الشرطة الإسبانية وهم يعنفون قاصرين مغاربة إلى الأذهان مشاهد الموت اليومية في المتوسط، الذي أصبح مرادفاً لمقبرة جماعية. مهاجر نيوز يسرد قصص قاصرين مغاربة، ويسلط الضوء على مخاطر الهجرة السرية.

كغيره من أبناء حيه الهامشي بإحدى مدن الشمال المغربي، تكونت لدى بلال قناعة أن الجنة في الأرض مرادفها أوروبا. تلاشى أصدقاؤه تباعا، بين من استطاع الوصول إلى إسبانيا وبين من ابتلعه البحر وآخر قتلته عجلة شاحنة كانت وسيلته للعبور، زاد إصرار الشاب البالغ أنداك من العمر 13 عاما، وبدأ في محاولاته للوصول إلى إسبانيا غير آبه بالمآل.

“تبلورت فكرة الهجرة بسبب ظروف العيش في المغرب ، كما أن كل أصدقائي في الحي حاولوا منهم من نجح في الوصول إلى أوروبا ومنهم من غرق ومات”. هكذا يتحدث بلال البالغ من العمر اليوم 17 عاما، والمتواجد بمركز تربوي للقاصرين في إسبانيا. ويضيف “بدأت المحاولات أنا وصديقي الذي تمكنت أسرته من حجز مكان له مع أحد سماسرة الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر بالشمال، واستطاع الوصول بخير إلى إسبانيا، كان هذا أكبر حافز لي لطلب دعم أسرتي بعد تعبي من المحاولات”.

لم توافق أسرة بلال خوفا من المصير المجهول بين أمواج البحر، “لكني أقنعتهم بعرض قصص وصور أقراني من أبناء الحي الذين وصلوا إلى أوروبا، فقرروا أخيرا مساعدتي بمبلغ من المال وفروه لأحد السماسرة”. كانت هذه المرة الأولى التي سأنطلق في رحلة مبرمجة”. اجتمع كل من حصل على الفرصة في مكان اختاره السمسار، ثم نقلوا في شاحنة كبيرة بداخلها المركب والمعدات التي ستستعمل للسفر بحرا، انطلاقا من مكان يقع بين طنجة وأصيلة (قنطرة تهدارت).

رحلة الموت

الكثير من اللاجئين تنتهي رحلتهم بشكل مأساوي في البحر إذا لم تصلهم سفن الإنقاذ في الوقت المناسب (صورة من الأرشيف)

“المنظمون للرحلة كانوا مسلحين ومقنعين، وكنا في المجموع أربعين شخصا بين قاصرين وراشدين يافعين، وكان معنا بعض الأفارقة، ركبنا القارب وانطلقنا. تمكنت البحرية المغربية من رؤيتنا فهرب الشخص المسؤول عن الرحلة، واضطررنا لإكمال الرحلة بدونه بعدما تطوع أحد المهاجرين، ووصلنا لمكان لا نستطيع فيه رؤية اليابسة، وهنا بالضبط أصاب المركب عطل وبدأ الماء يتسرب له ونحن نحاول أن نفرغه، هنا رأيت الموت بعيني”. حينها اضطرر الجميع لإشعال أضواء الهواتف لعل أحدا يأتي لإنقاذهم، “رآنا مسؤولون مغاربة وأعادونا لطنجة وقمنا بالإجراءات القانونية في مركز الشرطة وعاد كل منا لمنزله”.

المرة الثانية التي حاولت فيها الهجرة رفقة مجموعة، كانت بعد شهر فقط. قمنا بنفس الرحلة لكن البحر هاج منذ البداية، فعدنا أدراجنا بعد محاولة بسيطة لم نبتعد فيها عن اليابسة كثيرا. أما خلال المرة الثالثة والأخيرة، اجتمع المهاجرون في منطقة زرارة، أعدوا المركب وعدة السفر، “كنا 7 قاصرين ضمن الرحلة، أكبرنا يبلغ 17 عاما وأصغرنا 6 سنوات، وأنا كنت في سن 13 سنة” يقول بلال في حديثه لمهاجر نيوز. “كان هناك ضباب كثيف في آخر محاولة لكننا أبحرنا”، طالت الرحلة لساعات، وفجأة سمع الراكبون صوت المسؤول على الرحلة يعلن أنهم دخلوا المنطقة التابعة لإسبانيا.

البحث عن ملجأ آمن

“رأتنا السلطات وكانوا يطلبون منا التوقف، ثم أخذونا جميعا بعدما تأكدوا أننا مهاجرون ولسنا تجار مخدرات، وظلوا يجمعون المهاجرين المتوافدين بحرا طيلة يومين ونحن محتجزون على الشاطئ، منحونا ملابس وأكلا وفراشا ثم أخذونا نحو مخفر للشرطة حيث بقيت أربعة أيام، بعدها أخذوني إلى مركز القاصرين في مدينة بالأندلس”. بعد أسبوع قرر بلال مغادرة الأندلس، توجه نحو مدريد، وسلم نفسه للشرطة ونقل لمركز ظروف العيش فيه، “غير إنسانية”، حسب وصفه، ليهرب منه ويتجه إلى سارغوسا ويبقي في أحد مراكزها إلى اليوم.

“حاليا أنا في السابعة عشر من عمري، أنتظر حصولي على مكان في إقامات البالغين، وساعدني كثيرا حسن سلوكي وتركيزي على الدراسة والتكوين. يحاول المسؤولون في المركز تحصيل جواز سفري من المغرب وبطاقة هويتي، لكن الإدارة المغربية دائما تعرقل حصولنا على وثائق تسهل حصولنا على الإقامة في إسبانيا ولا نعلم سبب ذلك”. تمكن بلال من دراسة اللغة وحاليا يدرس تخصص الميكانيك ويظهر إصرارا كبيراً على إكمال دراسته والحصول على عمل من أجل تسوية وضعيته القانونية والاستقرار في أوروبا.

الشاحنات ليست أقل خطرا

كأن القصة تتكرر، لكن بطلها هذه المرة يقول أنه هرب من أسرته أولا، ومن بلاد لا أمل من البقاء فيها. عبد الرحيم، البالغ من العمر اليوم 22 عاماً، اختار طريقة مغايرة لما جربه بلال، إذ جرب عشرات المرات تسلق شاحنة أو حافلة سياحية وفشل، لكنه استمر إلى أن تمكن من تحقيق الحلم.

“جلست على محرك الحافلة التي انطلقت باكرا من أمام فندق شالة بطنجة، حافلة سياحية حملتنا أنا وصديقي خلال شهر رمضان بعد عشرات المحاولات الفاشلة، التي قمت بها بسبب ضغوطات عائلية ومشاكل يومية كانت تعانيها أسرتي بسبب الفقر والجهل أيضا، فما كان أمامي سوى أن أحاول الحصول على فرصة حياة أفضل في الخارج”.

ضربة حظ

تم فحص الحافلة في المغرب ولم يظهر لعبد الرحيم وصديقه أثر، لكن عندما وصلت إلى الجمارك الإسبانية، تم العثور عليهما وبدأت رحلتهما في البحث عن الحلم الذي جاء بهما إلى هناك. وعن معاملة السلطات الإسبانية يقول المتحدث “كان تعاملهم جيدا، فقد كنت وصديقي قاصرين لم يستطع أحد تعنيفنا”. بدأت الإجراءات القانونية واقتيد القاصران نحو مركز شرطة ومن ثم تم إرسالهم لمركز القاصرين.

أول ما منحتني إياه العاملة التربوية في المركز بعد الأكل واللباس والأغطية، كتاب لتعلم الإسبانية، ومنذ ذلك الحين لم أتوقف عن دراسة اللغة إلى اليوم”، يقول عبد الرحيم. بعد ثلاثة أسابيع بدأت رحلة تنقل بين الكثير من مراكز إيواء القاصرين الإسبانية، والهدف الوصول إلى مدريد أو برشلونة والابتعاد قدر الإمكان عن المغرب.

بعد رحلات ومغامرات خطيرة كرر فيها سيناريو تسلق الحافلات عدة مرات، تمكن عبد الرحيم من الوصول إلى مدريد، حيث تبخرت الأحلام في أول لقاء له بالشرطة هناك، حيث يحكي أن “التعامل كان مجحفا وعنصريا من قبل الشرطة واستعملوا العنف معنا، ولم يتم قبولنا بمركز القاصرين لأننا كنا مسجلين في مركز آخر وبقينا طيلة اليوم في الاستقبال دون أكل أو غطاء”.

مهاجرون حالفهم الحظ وتمكنوا في الوصول إلى الأراضي الإسبانية بمساعدة سفينة انقاذ (أرشيف)
لم يستسلم الفتى وقرر شد الرحال نحو العاصمة الكتالونية برشلونة، هناك اقتادته عناصر الشرطة إلى مركز للقاصرين في مانريسا البعيد عن مركز المدينة بساعتين. “درست اللغة في مركز بعيد جدا وتعذبت في المواصلات لكني ثابرت، إضافة إلى ذلك كان سلوكي حسنا وابتعدت عن المشاكل دائما، وسمعت نصائح المؤطرين، وبعد انقضاء ستة أشهر تم تحويلي لمركز غاودي ببرشلونة حيث شعرت بالاستقرار نسبيا”.

صعوبات أكبر منه

وعن الصعوبات التي واجهها طوال رحلته إلى اليوم، يحكي عبد الرحيم “البداية كانت صعوبات تتعلق بتعامل السلطات المغربية التي تلاحقنا ونحن نحاول الهجرة سرا عبر الشاحنات والحافلات القادمة إلى إسبانيا، وأيضا المخاطر التي واجهتها خلال تلك المحاولات حيث رأيت الموت بعيني عدة مرات”. وبعد الوصول إلى إسبانيا، يحكي المتحدث “كانت تواجهني صعوبة كبيرة في التعامل مع النزلاء في المراكز التي مررت بها، فأغلبهم يتعاطون المخدرات، ويسرقون كل ما يمكن بيعه من بعضهم، كما كنت دائما في حاجة لمال أكثر من أجل توفير ما أحتاجه للتنقل والأكل لإتمام دراستي”.

قبل أن يكمل 18 عاماً، تم تحويل عبد الرحيم إلى مركز البالغين حيث الهدوء أكثر، لكن الدعم المادي كان قليلا. “طلبت مساعدة المؤطرين المغاربة في المركز حيث كنت، وساعدوني على إيجاد تدريب في مطعم، بعد أسبوع فقط منحني صاحب المطعم عن طريق المركز عقد عمل لأني أتقنت كل ما تم تكليفي به وكنت مهذبا مع الزبائن”.

بدأ مشوار العمل وتنقل عبد الرحيم بين مدريد وبرشلونة إلى أن وجد أفضل الفرص على الإطلاق، ليعمل في مطعم ضمن سلسلة مطاعم هي الأشهر على الإطلاق في إسبانيا، حيث يأتي زبائن من المشاهير الإسبان والعالميين.

“حلمي اليوم أن أضمن لنفسي وأبنائي في المستقبل حياة كريمة تختلف عما عشته، وأن أستقر وأؤسس لنفسي بيتاً ومشروعاً خاصاً، ونصيحتي: قبل التفكير في الهجرة السرية على الإنسان أن يدرس ما بعدها، أي الاندماج واللغة، هذا إن لم يمت غريقا أو تحت عجلة ضخمة”.

رأي حقوقي

مصطفى أصريح الورياغلي، مؤطر بالمركز التربوي المتخصص Centre Crae Casa Milà في برشلونة وناشط حقوقي، تحدث لمهاجر نيوز عن أهم ما يعانيه هؤلاء الشباب من مصاعب. مؤكدا أن أغلبهم يأتي إلى إسبانيا محملا بالوهم والأحلام غير الواقعية، وسببهم في ذلك حسب المتحدث “الصورة الوردية التي يرسمها لهم من سبقوهم”.
كما اعتبر المؤطر المغربي أن هناك من “يصل إلى هنا ويفكر باتزان في مستقبله، وهناك للأسف من تجره العادات السيئة مثل المخدرات ويكون مآله الشارع أو السجن وفي أحيان كثيرة يعود للمغرب”. مبرزا أن المسؤولية مشتركة بين “المراكز الأولية الخاصة بالاستقبال في إسبانيا التي تكون مكتظة ويتعرض فيها الشباب لتعامل غير جيد مما يجعلهم يحقدون، وبين تربية الشاب وأفعاله مع المسؤولين في المراكز التي تكون أحياناً مستفزة”.

وتحدث مصطفى عن مشاكل اللغة والتواصل الذي يعاني منه القاصرون عند وصولهم، خاصة أن مستواهم الدراسي يكون متواضعا جدا، ويطرح المشاكل بشدة عند نزول الشباب في مركز لا يتم توفير مترجم أو مؤطر مغربي داخله، مما يجعل الاندماج صعبا للغاية وهو ما يؤثر نفسيا عليهم.

ومن المشاكل الأخرى التي أشار إليها المتحدث، أنه لا يتم تثقيف النزلاء بالمراكز حول العنصرية، “تقدم لهم دروسا حول المثلية والمساواة وغيرها من المواضيع التي لا يهتمون بها أصلا، ويتم غض الطرف على المواضيع الأساسية كالتعرض للعنف والعنصرية داخل المؤسسات أو المجتمع”.

أما أصعب المشاكل على الإطلاق حسب المتحدث، فهو المتعلق باستخراج وثائق الهوية عند بلوغ الشباب سن الرشد وبداية استعدادهم لمغادرة مراكز القاصرين، مشيرا أن الشرط الأساسي لتجديد الإقامة في إسبانيا بالنسبة لهم، هو توفرهم على وثائق الهوية أولا، ثم عقد عمل.

أما عن التعنيف الذي تنشر فيديوهات لحالات كثيرة يتعرض فيها قاصرون مغاربة لركل وضرب الشرطة الإسبانية، فقد علق المتحدث أن “الكثير من حالات التعنيف القوي تحصل ولا نعرف بها، وهو أمر نرفضه كليا لا بالنسبة للقاصرين المغاربة أو غيرهم من الجنسيات الإفريقية”. مؤكدا أنه “غالبا ما يحصل عنف من الشرطة بسبب حالات لشباب مدمنين يودون الحصول على المخدرات، وهو ما يجعل مدير المركز يستدعي الشرطة، لكن هذا أمر مرفوض”.

source : DW.com